الخطيب الشربيني

188

مغني المحتاج

فشربها ظانا كونها شرابا لا يسكر ( لم يحد ) للعذر ولا يلزمه قضاء الصلوات الفائتة مدة السكر كالمغمى عليه ، ولو قال السكران بعد الأصحاء : كنت مكرها ، أو لم أعلم أن الذي شربته مسكرا صدق بيمينه قاله في البحر في كتاب الطلاق . ( ولو قرب إسلامه فقال جهلت تحريمها لم يحد ) لأنه قد يخفي عليه ذلك والحدود تدرأ بالشبهات . قال الأذرعي : وهذا ظاهر في غير من نشأ في بلاد الاسلام ، أما من نشأ فيها فلا يخفى عليه تحريم الخمر عند المسلمين فلا يقبل قوله اه‍ . وظاهر كلام الأصحاب الاطلاق وهو الظاهر ( أو ) قال : علمت تحريمها ولكن ( جهلت الحد ) بشربها ( حد ) لأن من حقه إذا علم التحريم أن يمتنع ( ويحد بدردي خمر ) وهو بمهملات وتشديد آخره : ما في أسفل وعاء الخمر من عكر لأنه منه . تنبيه : كلامه قد يوهم أن دردي غيره من المسكرات ليس كذلك وليس مرادا ، بل الظاهر كما قاله الأذرعي أنه لا فرق بين الجميع ، ويحد بالثخين منها إذا أكله . و ( لا ) يحد بشربها فيما استهلكت فيه كما في الروضة وأصلها عن الإمام وجزم به في الرضاع ولا ( بخبز عجن دقيقه بها ) على الصحيح لأن عين الخمر أكلتها النار وبقي الخبز نجسا ( ومعجون هي فيه ) لاستهلاكها ولا بأكل لحم طبخ بها بخلاف مرقه إذا شربه أو غمس فيه أو ثرد بها فإنه يحد لبقاء عينها ( وكذا حقنة ) بها بأن أدخلها دبره ( وسعوط ) - بفتح السين - بأن أدخلها أنفه ، فلا يحد بذلك ( في الأصح ) لأن الحد للزجر ولا حاجة إليه هنا فإن النفس لا تدعو إليه ، والثاني يحد فيهما كما يحصل الافطار بهما للصائم ، والثالث وجرى عليه البلقيني أنه يحد في السعوط دون الحقنة لأنه قد يطرب به بخلاف الحقنة ( ومن غص ) بغين معجمة مفتوحة بخطه ، وحكي ضمها والفتح أجود قاله ابن الصلاح والمصنف في تهذيبه : أي شرق ( بلقمة ) ملا ( أساغها ) أي أزالها ( بخمر ) وجوبا كما قاله الإمام ( إن لم يجد غيرها ) ولا حد عليه إنقاذا للنفس من الهلاك والسلامة بذلك قطعية بخلاف التداوي ، وهذه رخصة واجبة ( والأصح تحريمها ) أي تناولها على مكلف ( لدواء وعطش ) أما تحريم الدواء بها فلانه ( ص ) لما سئل عن التداوي بها قال : إنه ليس بدواء ولكنه داء ، والمعنى أن الله تعالى سلب الخمر منافعها عندما حرمها ، ويدل لهذا قوله ( ص ) : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وهو محمول على الخمر . روي أن النبي ( ص ) قال : إن الله لما حرم الخمرة سلبها المنافع . وما دل عليه القرآن من أن فيها منافع للناس إنما هو قبل تحريمها ، وإن سلم بقاء المنفعة فتحريمها مقطوع به ، وحصول الشفاء بها مظنون ، فلا يقوى على إزالة المقطوع به ، وأما تحريمها للعطش فلأنها لا تزيله بل تزيده لأن طبعها حار يابس كما قاله أهل الطب ، ولهذا يحرض شاربها على الماء البارد . وقال القاضي أبو الطيب : سألت أهل المعرفة بها ، فقال : تروي في الحال ثم تثير عطشا شديدا . فإن قيل : هذه رواية فاسق لا تقبل . أجيب بأنه أخبر بعد نوبته . والثاني يجوز التداوي بها ، أي بالقدر الذي لا يسكر كبقية النجاسات ، ويجوز شربها لإساغة اللقمة بها ، وقيل يجوز التداوي بها دون شربها للعطش ، وقيل عكسه ، وشربها لدفع الجوع كشربها لدفع العطش . تنبيه : محل الخلاف في التداوي بها بصرفها ، أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم مقامه مما يحصل به التداوي من الطاهرات كالتداوي بنجس كلحم حية وبول ، ولو كان التداوي بذلك لتعجيل شفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفته للتداوي به ، والند - بالفتح - المعجون بخمر لا يجوز بيعه لنجاسته . قال الرافعي : وكان ينبغي أن يجوز كالثوب المتنجس لامكان تطهيره بنقعه في الماء ، ودخانه كدخان من التبخر به ، ويجوز تناول ما يزيل العقل من غير الأشربة لقطع عضو ، أما الأشربة فلا يجوز تعاطيها